نسيم بلهول يكتب: مراقبة الأوصياء على الأمن أو السبيل إلى دمقرطة المخابرات..؟ - Dooka News
مقالات

نسيم بلهول يكتب: مراقبة الأوصياء على الأمن أو السبيل إلى دمقرطة المخابرات..؟

يمكن اعتبار فكرة “دمقرطة المخابرات” كنوع من أنواع التدافع بين الكثير من المتناقضات أو بالأحرى واحدة من بين أهم الاتجاهات المؤسسة لمقاربة جامعة وحاضنة للمتنافرات السياسية والأمنية، والتي عادة ما تظهر على خط المهمات المستحيلة بل والمسكوت عنها في العديد من الدول، خاصة تلك التي لا يزال فيها مفهوم “الدولة العميقة” أو “الشبح الأمني” يلعب من خلال وسائط متعددة دور المتحكم في مربع (الحكم، العقيدة الأمنية، صناعة الأعداء وتحديد الأهداف).

إلا أنه في إطار الكثير من التسريبات التي تعود أساسا إلى عوامل التراخي الأمني وتورط مصالح الاستخبارات لكثير من الدول في أخطاء تحليلية للبيانات والمعلومات (هو ما أدى إلى انزلاقات عميقة عرفتها بعض الدول العربية في المنطقة) بات أمر مساءلة هذه الشبكات الأمنية ممكنا أكثر من أي وقت مضى.

ففي الوقت الذي كانت تبدو فيه المبادئ الأساسية التي يقوم عليها أي نظام/ حكم للحكم ديمقراطي(على غرار شفافية اتخاذ القرارات، وتحمل تبعات مخرجات العملية السياسية – التعرض إلى المساءلة البرلمانية – وفق ما تمليه قواعد اللعبة الديمقراطية، خاصة في حالات فشل مؤسسات الدولة وقطاعاتها الأخرى وعجزها عن تلبية حاجيات المجتمع) منكشفة أمام مساحات مهمة من الجماهير.

فإن الطابع السري ظل ملازم العمل أجهزة الاستخبارات الأمنية، التي – في كثير من الأحيان–هي في منأى عن دائرة المساءلة عند الفشل أو الوقوع في ورطة أو تسريب أمني من شأنه أن يهدد ويضرب الدولة في عمقها ومصداقيتها. وذلك لاعتبارات تعود أساسا إلى انتفاء أي احتمال بموجبه يتم توقيف أو إلغاء بعض المصالح أو الوكالات الإستخباراتية.

  1. تلجيم الاستخبارات وبوصلة الرقابة الديمقراطية:

هو الأمر الذي يدفعنا إلى التفكير والنظر في تلك الظروف التي يمكن بموجبها السيطرة على المصالح السرية/ الإستخباراتية بشكل أفضل، وهو ما من شأنه أن يعزز من عمق اتجاهات ديمقراطية الدولة، من جهة، ويحد من تلك النزعات والأنشطة غير القانونية التي تمارسها بعض المصالح الأمنية، من جهة أخرى، هذا إلى جانب مضاعفة يقظة أجهزة الاستخبارات وكفاءتها في الاستشعار الأمني والوقاية من التهديدات الحقيقية، مع الحرص على تقليص دائرة الاستغلال السيء للمعلومات الإستخباراتية سياسياً.

هذا النوع من المهمات من شأنه أن يثير لغطا وتحديات كبيرة،خاصة في حالة تصدع وانهيار النظام السياسي أو تنامي المخاطر الأمنية، بالمقابل،لا نعني من وراء استخدام تلك العبارة (التهديدات الحقيقية) إنكار وجود هذا النوع من التهديدات الأمنية في ظل هشاشة سياسية واقعية.إلا أن هذا الأمر في الأخير يبدو مبالغًا فيه، خاصة في تلك الحالات التي يسعى من خلالها الساسة الاستفادة أو الإستثمار في “سياسة تخويف المواطنين”. فوفقًا لنظرية العقد الاجتماعي، فإن المهمة المحورية والأساسية للدولة تتمثل في توفير الأمن بشكليه الفردي والجماعي ضد تلك التهديدات التي من شأنها أن تعرض الحياة والرفاهية للخطر.

غير أن مسألة “الرقابة الديمقراطية على الأجهزة الأمنية” والتي تهدف إلى تأمين الأمن، أضحت أحد الأساسيات المفتاحية وجوهر الحوكمة الحديثة:فكلما زاد إدراكنا للتهديدات، كلما ازدادت أهمية تلك المسألة، وهو أمر لا تتضايق منه الأنظمة الديمقراطية، خاصة في حالة ما إذا قدمت ووفرت الحكومات ضمانات قوية بعدم انتهاك حقوق المواطنين وغيرهم عند سعيهم للحصول على المعلومات أو في حالة تنفيذها للسياسة الأمنية.

غير أنه كثيرا ما يؤكد السجل التاريخي لكبريات الديمقراطيات الغربية على ضرورة عدم السماح للمسؤولين/ قيادات الدولة العمل في سرية تامة.وهذا لا يعود أساسا لكونهم فاسدين أو غير أمناء(على الرغم من اجتماع الصفتين معا في الكثير من الحالات). بقدر ما يرتبط الأمر بمجموعة من الأخطاء والإنزلاقات على مستوى المبدأ:فكما توضح المفكرة التاريخية الإستخباراتية للدول، فإنه يمكن أن يؤدي الجمع بين النزعة الأمنية والسرية إلى انتهاك حقوق الآخرين بسرعة كبيرة. هذا أمام ظهور مخاطر جديدة عقب تنامي بعض الإتجاهات الأمنية المعاصرة –على غرار: التوسع في قطاع الأمن القومي، الإستعانة بمصادر خارجية تابعة للقطاع الأمني الخاص في بعض الأعمال الإستخباراتية، توسيع نطاق المراقبة باستخدام التكنولوجيا –. وهو ما من شأنه أن يغذي ويبقي على تلك المخاوف وثيقة الصلة والإرتباط بتلك الإتجاهات أكثر من أي وقت مضى.

  1. حراسة الأمن والحوكمة الإستخباراتية:

“من يحرس ويراقب الأوصياء على الأمن؟”:مثلما هو الحال بالنسبة إلى تلك الوكالات الإستخباراتية المكلفة بالتعقب والتي تعد من صميم أعمالها التنفيذية المرتبطة بإجراءات توفير الأمن والسلامة، فإنه بات من الواجب بالنسبة للقائمين والمشرفين على تلك المصالح ممارسة نوع من الرقابة على الأجهزة والوكالات الإستخباراتية، قصد التأكد والحيلولة دون أن تشكل تهديد الأمن وسلامة المواطنين. بالتالي، ما نحتاجه هو هيكل ما للإشراف ومراقبة مسؤولي الدولة العميقة/ الجانب المظلم أو السري لكيان الدولة.

قبل خمسين عامًا كان من الممكن رفض هذه الفكرة لكونها كانت تعتبر – على الأقل بالنسبة للأوصياء على الدولة العميقة – مجرد رؤى ساذجة وخطيرة حتى بالنسبة للأنظمة الديمقراطية الليبرالية نفسها، إلا أننا نرى اليوم وفي نفس تلك الدول العديد من الهياكل الرقابية المبتكرة والتي خرجت من رحم تلك الرؤى والأفكار التي كانت تظهر بالتوصيف السابق. علاوة على ذلك، أصبحت تلك الهياكل تعمل منذ أواخر سبعينيات القرن المنصرم على مرافقة ودمقرطة الكثير من الحكومات في أمريكا اللاتينية، وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى أغلبية دول شرق أوروبا (خاصة منذ عام 1989).

كل ذلك يعتبر كتتويج لمجهودات جادة من أجل تحسين الرقابة: علما أن الترتيبات الدقيقة المتعلقة بالأمر تم تبنيها وفق الخصوصية السياسية والثقافية لكل دولة، على أن تكون الواقعية والإصلاح عملتان من خلالهما يتم تأمين عبور سلس نحو الديمقراطية أمام التحديات التي من شأنها أن تفرضها الدولة العميقة.

  1. مراقبة الأمن وضرورات الحوكمة الإستخباراتية:

تعتبر عملية مراقبة المصالح السرية للدولة أمرا أساسيا بالنسبة للحوكمة المعاصرة -كونها منتجة للمعرفة الأمنية ووجها من الأوجه الخفية لتنفيذ السلطة– وهذا لاعتبارات عديدة، أهمها:

أولا، أهمية الإشراف ومراقبة المصالح الإستخباراتية باستمرار تفاديا للمخاطر التي من شأنها أن تهدد المجتمع الإستخباراتي من الداخل، وانعكاسات ذلك على البيئة المحيطة بتلك المصالح.

ثانيًا، لاعتبارات تنظيمية: فعادة ما يعمل المسؤولون السياسيون على تأسيس أجهزة ووكالات استخباراتية خاصة بأمن الدولة دون أدنى سعي منهم لافتكاك أو الحصول على موافقة برلمانية. ما يدل أنه في الأخير كثيرا ما تعكس مجموعة المصالح والوكالات الإستخباراتية تلك إرادة أولئك المسؤولين لا غير.بالتالي، هو ما يساهم بقدر كبير في عدم فعاليتها، بل أحيانا تصبح في وضع معادي تمامًا للثقافة والتوجهات الديمقراطية.

بناء على ما سبق، فإن مهمة هيئات الرقابة تلك هي النظر في المقاربة الإستخباراتية الأنسب لمصلحة الدولة، ناهيك عن الوقوف على حاجيات البلد الحقيقية من تلك الهياكل والمصالح المختصة، علما أنه من أهم المبادئ الأساسية التي من خلالها يمكن تأمين استمرارية عملية الرقابة، هي: تواجد معالم واضحة لهرم السلطة وسلم المسؤوليات على مستوى جميع هياكل الإستخبارات، هذا إلى جانب توفر مبدأي التدقيق والتفتيش تؤسس لمسافة معقولة من الشفافية داخل الهياكل الداخلية لمجتمع الإستخبارات، وفي علاقة هذا الأخير مع القطاعات الواسعة في الدولة.إلا أنه غالبا ما يضم هذا النوع من الشبكات الأمنية منظمات أخرى تنتمي إلى القطاعين الخاص والهيئات غير الحكومية، هذا إلى جانب بعض المصالح التابعة للوكالات الأمنية الأجنبية (من باب التعاون والتنسيق الأمني). ففي مثل هكذا وضعية، كيف يمكن لآليات الرقابة الديمقراطية أن تعمل في مثل هكذا خليط هجين من المصالح الإستخباراتية – بيئة عدم الوضوح والتعقيد الإستخبارتي -؟. هي مسألة سنحاول أن نفرد له مقالا في مساهماتنا القادمة بحول الله.

ثالثًا، هناك قضايا تتعلق بجمع البيانات والمعلومات وقدرة الأجهزة على تحويلها إلى معلومات استخبارية، وذلك عبر عملية تحليلية دقيقة وحذرة: علما أن القضايا من النوع الأول، تغطي مسائل ترتبط بالفعالية والملاءمة، أي بمدى امتلاك تلك المصالح لموارد كافية تمنحها القدرة الكافية لجمع المعلومات. وفي حالة ما إذا استتب لها الأمر، فهل من شأنها أن تراعي حقوق أولئك الذين كانوا مصدرا لتلك المعلومات؟.

بحكم خصوصية وطبيعة العمل الإستخباراتي، فإن بعض أساليبها السرية المعتمدة تتجاوز في كثير من الأحيان تلك الوسائط التي توظفها الدول عادة لأغراض مرتبطة بصفة مباشرة بمصالح النظام الحاكم علما أنه، عادة ما تكون تلك الأساليب غير قانونية. لهذا فإن عملية الإشراف والرقابة تفترض مسبقًا توفر نظام قانوني يمنح من خلاله ترخيصا لمثل تلك التقنيات والأساليب وحتى الممارسات.هذا في ظل تنامي العواقب والمخاطر الناتجة عن “الإنكار المعقول”: حيث تتستر وتتكتم الكثير من المصالح الإستخباراتية وقياداتها السياسية عن لجوؤها لاستخدام تلك التقنيات غير القانونية. وهو ما يعني في الأخير استحالة القيام بأية تحقيقات أو تحريات بخصوص تلك الإنتهاكات والتجاوزات المحتمل وقوعها.

تتفاقم وتتراكم تلك التهديدات التي تشكلها الصيغ الفنية لجمع المعلومات – مراقبة الإنترنت و التنصت وما إلى ذلك -، وذلك بسبب الحجم الكبير لمستودعات البيانات التي يتم إنشاؤها من عدة مصادر سواء كانت عامة أو خاصة،وهو ما من شأنه أن يعرض مبادئ حماية البيانات للخطر. غير أن التجاوزات الأمنية التي حدثت في بعض الدول التي كانت هدفا لتنظيمات إرهابية فعلية (وليست من منشأ إستخباراتي) أعادت منطقة المصادر البشرية للمعلومات أو بالأحرى المخبرين المهملة والمهمشة نسبيًا إلى مركز الجدل. وذلك على ضوء أهمية بعض القضايا الأخلاقية الخلافية التي أثارتها تلك الوسائل التقنية الإستخباراتية، التي باتت واضحة بشكل نسبي مقارنة مع تلك المسائل والإشكالات الناتجة عن الإستثمار في المصادر البشرية – المخبرين: إذ يمكن أن ينطوي تجنيد المخبرين على أساليب الإبتزاز، كما يمكن من جهة أخرى أن تؤدي دوافعهم وحوافزهم العملية إلى الإضرار بقيمة المعلومات التي يوفرونها ويقدمونها بشكل كامل.

منذ بداية الحروب الداخلية والدولية على الإرهاب تم استخدام أساليب استجواب الأسرى أو المختطفين ترقى إلى مستوى التعذيب. في وقت تعرض فيه بعض الجنود إلى المحاكمة بسبب تلك السلوكات والممارسات(الإنزلاق الأمني). علما أن القدرة على التحقق من تلك الإنتهاكات المنهجية قد تم إعاقتها وبشكل خطير بسبب إعلان المؤسسات الأمنية والعسكرية الأحادي الجانب – وذلك خلال السنوات الأولى من حربها ضد الإرهاب والإرهابيين – بأنها لم تكن كذلك. علما أنه أغلب المؤسسات الأمنية الحكومية ملزمة بتنفيذ اتفاقيات مختلفة بشأن معاملة السجناء والأسرى.

رابعًا، هناك مسألة في غاية من الأهمية مرتبطة أيما ارتباط بمدى نجاح المحللين الإستخباراتيين سواء في تفسير المعاني والرسائل التي تحملها المعلومات وبشكل صحيح، أو كيفية تفسير وتبرير غياب المعلومات. والأمر مرتبط بجميع الأحوال بمدى كفاءة هؤلاء المحللين من عدمية ذلك في مشاركتهم لتلك المعلومات الإستخباراتية مع نظرائهم من بقيةالعناصر الإستخباراتية الأخرى، التي تكون في وضع يسمح لها بالتصرف والمناورة بناءً على تلك المعلومات التحليلية/ التقارير الإستخباراتية.

بالتالي، عندما يتعلق الأمر بتلك الإجراءات السابقة التي يتم اتخاذها، هل هنالك ترتيبات مناسبة لضمان توافق ذلك مع القانون؟، وفي حالة ما إذا تم اتخاذ إجراءات سرية ضد أولئك الذين يُشتبه كونهم يشكلون تهديدا إرهابيا، ما هي أساليب التحري والتحقق المتوفرة التي من شأنها أن تسمح لنا بالحكم بمواءمة أو عدم مواءمة تلك الإجراءات؟.

أخيرًا، ما هي الإجراءات والسياسات التي من شأنها أن تحول دون تسييس مصالح وأجهزة الإستخبارات؟. علما أننا نستخدم هنا مصطلح “منع” نظرًا لمدى أهمية ومركزية أجهزة الاستخبارات بالنسبة لمساحات مهمة من أنشطة الحكومة والدولة، فمن العبث افتراض إمكانية عزلها تمامًا عن العملية السياسية.

في الواقع، لا ينبغي عزلها تماما خاصة في إطار الأنظمة الديمقراطية، لكون فيلق من حراس الأمن الإستخباراتي من شأنهم أن يشكلوا تهديدًا أمنيًا. تلك هي المفارقة المركزية للأمن في الدولة العميقة.

بالتالي، لا يوجد حل دقيق لمشكلة الرقابة تلك – ستكون هنالك دائمًا توترات داخل الدول الديمقراطية: بين المتخصصين في مجال الأمن والمشرفين عليهم. فإذا لم يكن هنالك أصلا توترات، فهذا يعني ببساطة أن نظام الرقابة لا ولن يعمل-.

البروفيسور نسيم بلهول

خبير في الشؤون الأمنية والعسكرية-الجزائر

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى